العودة   منتديات الـــود > +:::::[ الأقسام العامة ]:::::+ > ۞ مكتبة الــوٍد الإسلامية ۞
إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 2 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
قديم 02-05-2014, 04:51 AM   رقم المشاركة : 61
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور



الآية رقم ‏(‏275‏)‏
‏{‏ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‏}‏
لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصدقات لذو الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكله الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، وأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال‏:‏ ‏{‏الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏}‏، أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطن له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق، وحكي عن عبد اللّه بن عباس وعكرمة والحسن وقتادة أنهم قالوا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏}‏، يعني لا يقومون يوم القيامة، وقال ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب، وقرأ‏:‏ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏}‏ وذلك حين يقوم من قبره‏. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تجري من خارج بطونهم، فقلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء أكلة الربا‏)‏
‏"‏رواه ابن أبي حاتم وأحمد‏"‏وعن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل‏:‏ فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجراً - وذكر في تفسيره - أنه آكل الربا‏"‏رواه البخاري‏"‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل اللّه البيع وحرم الربا‏}‏، أي إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام اللّه في شرعه، وليس هذا قياساً منهم للربا على البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه اللّه في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا‏:‏ إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا‏:‏ ‏{‏إنما البيع مثل الربا‏}‏ أي هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا‏؟‏ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل هذا وقد أحل هذا وحرم هذا وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحل اللّه البيع وحرم الربا‏}‏ يحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم، أي على ما قالواه من الاعتراض مع علمهم بتفريق اللّه بين هذا وهذا حكماً، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم يحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللّه‏}‏ أي من بلغه نهي اللّه عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة، لقوله‏:‏
{‏عفا اللّه عما سلف‏}وكما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة‏:‏ ‏)‏وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ربا أضع ربا العباس‏(‏، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فله ما سلف وأمره إلى اللّه‏}
قال سعيد بن جبير والسُّدي‏:‏ ‏{‏فله ما سلف‏}‏ ما كان أكل من الربا قبل التحريم، وقال ابن أبي حاتم عن أم يونس العالية بنت أبقع، أن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت لها أم بحنة أم ولد زيد بن أرقم‏:‏ يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن ارقم‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قالت‏:‏ فإني بعته عبداً إلى العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت‏:‏ بئس ما شَرَيْتِ، وبئس ما اشتريت أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قد بطل إن لم يتب‏.‏ قالت، فقلت‏:‏ أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة‏؟‏ قالت‏:‏ نعم ‏{‏فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف‏}‏، وهذا الأثر مشهور‏.‏ وهو دليل لمن حرم مسألة العينة العينة‏:‏ أن يبيعه شيئاً إلى أجل، ثم يشتريه منه نقداً بأقل مما باعه، وفي هذا شبهة التحايل على أكل الربا نسأله تعالى السلامة مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام وللّه الحمد والمنة‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن عاد‏}‏ أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي اللّه عنه فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏،
وقد قال أبو داود، عن جابر قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من اللّه ورسوله‏)‏،,‏إنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض،و المزابنة وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض و المحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبلة في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسماً لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء‏:‏ الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب اللّه لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وفوق كل ذي علم عليم‏}‏
وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏:‏ ثلاث وددت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه‏:‏ الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا ، يعني بذلك بعض المسائل التي فيه شائبة الربا، والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان ابن بشير قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات‏.‏ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه‏)‏‏.‏ وفي السنن عن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏دع ما يريبك إلى مالا يربك‏)‏، وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏الإثم ما حاك في القلب، وترددت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس‏)‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏استفت قلبَك وإن أفتاك الناس وأفتوك‏)‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ آخر ما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آية الربا وعن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ خطبنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال‏:‏ إني لعلِّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم باشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنه قد مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم ‏"‏رواه ابن ماجة وابن مردويه‏"‏وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الربا ثلاثة وسبعون باباً‏)‏‏.‏ وعن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏الربا سبعون جزءاً أيسرها أن ينحك الرجل أمه‏)‏"‏رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن مسعود وزاد الحاكم‏:‏ وإنّ أربى الربا عرض الرجل المسلم‏"‏وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا‏)‏‏.‏ قال، قيل له‏:‏ الناس كلهم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏من لم يأكله منهم ناله من غباره‏)‏‏
.‏
ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات الحديث الذي
روي عن عائشة، قالت‏:‏ لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الناس ثم حرم التجارة في الخمرقال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة‏:‏ لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال عليه السلام في الحديث المتفق عليه‏:‏ ‏(‏لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها أجملوه وجملوه أي أذابوه فباعوها وأكلوا أثمانها‏)‏وقوله صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ لعن اللّه آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه‏)‏، قالوا‏:‏ وما يُشْهد عليه ويُكْتب، إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ويكون داخله فاسداً، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات‏.‏ وفي الصحيح‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏)‏، وقد صنف الإمام العلّامة أبو العباس ابن تيمية كتاباً في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك وشفى، فرحمه اللّه ورضي عنه‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 05:14 AM   رقم المشاركة : 62
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏276 ‏:‏ 277‏)‏
‏{‏ يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ‏.‏ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏}‏
يخبر تعالى أنه يمحق الربا أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى‏:‏{‏قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث‏} وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم‏}‏، وقال‏:‏{‏وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند اللّه‏} الآية‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏يمحق اللّه الربا‏}‏ وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال‏:‏ الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلّ وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل‏)‏، وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود كما قال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالإفلاس والجذام‏)‏‏
.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويربي الصدقات‏}‏ قرىء بضم الياء والتخفيف من ربا الشيء يربو أي كثّره ونمّاه، وقرىء يُربي بالضم والتشديد من التربية‏.‏ قال البخاري عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل اللّه إلا الطيب، فإن اللّه يتقبلها بيمنيه ثم يربيّها لصاحبها كما يربّي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل‏)‏ ‏"‏رواه البخاري في كتاب الزكاة وأخرجه مسلم بنحوه‏"‏وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه عزّ وجلّ يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد‏)‏ وتصديق ذلك في كتاب اللّه‏:‏ ‏{‏يمحق اللّه الربا ويربي الصدقات‏}
‏"‏رواه أحمد والترمذي وقال‏:‏ حسن صحيح‏"‏
عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن العبد إذا تصدق من طيّب يقبلها اللّه منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربوا في يد اللّه، أو قال‏:‏ في كف اللّه، حتى تكون مثل أحد فتصدقوا‏)‏ ‏"‏رواه أحمد قال ابن كثير صحيح الإسناد ولكن لفظه عجيب‏"‏وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الله يربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد‏)‏‏"‏رواه أحمد وقد تفرد به من هذا الوجه‏"‏وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل اللّه إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن بيده فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه‏)‏
"‏رواه البزار عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللّه لا يحب كل كفار أثيم‏}‏ أي لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم اللّه له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل‏.‏ ثم قال تعالى مادحاً للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبراً عما أعد لهم من الكرامة وأنهم يوم القياة من التبعات آمنون، فقال‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏278 ‏:‏ 281‏)‏
‏{‏ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ‏.‏ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ‏.‏واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ‏}‏
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، ناهيا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه‏}‏ أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون، ‏{‏وذروا ما بقي من الربا‏}‏ أي اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال بعد هذا الإنذار، ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ أي بما شرع اللّه لكم من تحليل البيع وتحرم الربا وغير ذلك‏.‏ وقد ذكروا أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عميرمن ثقيف وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا وقالت بنو المغيرة‏:‏ لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليه‏:‏ ‏{‏يا أيها الذن آمنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله‏}‏ فقالوا‏:‏ نتوب إلى اللّه، ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم ‏"‏ذكره ابن جريج ومقاتل والسدي‏"‏وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فأذنوا بحرب‏}‏ أي استيقنوا بحرب من اللّه ورسوله، وتقدم عن ابن عباس قال‏:‏ يقال يوم القيامة لآكل الربا‏:‏ خذ سلاحك للحرب، ثم قرا‏:‏ ‏{‏فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير عن ابن عباس‏"‏وقال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله‏}‏ فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه كان حقاً على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه‏.‏ وقال قتادى‏:‏ أو عدهم اللّه بالقتل كما يسمعون وجعلهم بهرجاً أي دماؤهم مهدورة أين ما ما أتو، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن اللّه قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلمون‏}‏ أي بأخذ الزيادة ‏{‏ولا تُظْلمون‏}‏ أي بوضع رؤوس الأموال أيضاً بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه، خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع فقال‏:
‏(‏الا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله‏)
‏"‏رواه ابن ابي حاتم‏"‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون‏}‏، يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وقاء، فقال‏:‏ ‏{‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة‏}‏ لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينة إذا حل عليه الدين‏:‏ إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال‏:‏ ‏{‏وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون‏}‏ أي وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين‏.‏ وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك‏.‏
فالحديث الأول
عن أبي أمامة أسعد بن زرارة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من سرّه أن يظله اللّه يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه‏)‏
"‏رواه الطبراني‏"‏
حديث آخر ‏:‏
عن محمد بن كعب القرظي أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه تقاضاه فيختبىء منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فساله عنه، فقال‏:‏ نعم هو في البيت يأكل خزيرة، فناداه فقال‏:‏ يا فلان اخرج فقد أخبرت أنك ها هنا، فخرج إليه فقال‏:‏ ما يُغَيبك عني‏؟‏ فقال‏:‏ إني معسر وليس عندي، قال‏:‏ آللّه إنك معسر‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فبكى أبو قتادة، ثم قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏من نفّس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة‏)
‏"‏رواه أحمد والإمام مسلم‏"‏
حديث آخر‏:‏
عن حذيفة بن اليمان قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏أتى اللّه بعبد من عبيده يوم القيامة قال‏:‏ ماذا عملت لي في الدنيا‏؟‏ فقال‏:‏ ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات - قال العبد عند آخرها‏:‏ يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنتُ رجلاً أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسّر على الموسر وأنظر المعسر، فقال، فيقول اللّه عزّ وجلّ‏:‏ أنا أحق من ييسر، أدخل الجنة‏)‏"‏أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة‏"‏ولفظ البخاري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه‏:‏ تجاوزوا عنه لعل اللّه يتجاوز عنا، فتجاوز اللّه عنه‏)‏
حديث آخر عن عبد اللّه بن سهل بن حنيف أن سهلاً حدّثه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من أعان مجاهداً في سبيل اللّه أو غازياً أو غارماً في عسرته أو مكاتباً في رقبته أظله اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏)‏
"‏رواه الحاكم في المستدرك وقال‏:‏ صحيح الإسناد‏"‏
حديث آخر‏:
أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت قال‏:‏ خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه غلام له، معه ضَمامة مجموعة من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري ثوب ينسب إلى حي في همدان وعلى غالمه بردة ومعافري، فقال له أبي‏:‏ يا عم، إني أرى في وجهك سَعْفة طبيعة من غضب من غضب، قال‏:‏ أجل كان لي على فلان بن فلان الرامي مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت أثَمَّ هو‏؟‏ قالوا‏:‏ لا فخرج علي ابن له جَفْر كرش واسع فقلت‏:‏ أين ابوك‏؟‏ فقال‏:‏ سمع صوتك فدخل أريكة سرير فاخر أمي، فقلت‏:‏ أخرج إليَّ فقد علمت أين أنت، فخرج فقلت‏:‏ ما حملك على أن اختبأت مني‏؟‏ قال‏:‏ أنا واللّه أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت واللّه أن أحدثثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكنت واللّه معسراً قال، قلت‏:‏ آللّه‏.‏ قال‏:‏ آلله‏؟‏ ثم قال‏:‏ فأتى بصحيفته فمحاها بيده ثم قال‏:‏ فإن وجدت قضاء فاقضني، وإلا فأنت في حل، فأشهدُ‏:‏ أبصَر عيناي هاتان - ووضع أصبعيه على عينيه - وسمعَ أذناي هاتان ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه - رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول‏:‏ ‏(‏من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله اللّه في ظله‏)‏‏.‏
حديث آخر
عن ابن عباس قال‏:‏ خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا - واومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض - ‏:‏ ‏(‏من أنظر معسراً أو وضع عنه وقاه اللّه من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حَزْن ما غلظ من الأرض بربوة ثلاثاً ألا إن عمل النار سهل بسهوة أرض لينة ملائمة والسعيد من وقي الفتن وما من جرعة أحب إلى اللّه من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد للّه إلا ملأ اللّه جوفه إيماناً‏)‏
"‏تفرد به أحمد‏"‏
ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم وزوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر ويحذرهم عقوبته فقال‏:‏ ‏{‏واتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏}‏ وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال سعيد بن جبير‏:‏ آخر ما نزل من القرآن كله‏:‏ ‏{‏واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏}‏، وعاش النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول‏.‏ وعن عبد اللّه بن عباس قال‏:‏ آخر شيء نزل من القرآن‏:‏ ‏{‏واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏}‏ وقال ابن جريج، قال ابن عباس‏:‏ آخر آية نزلت‏:‏ ‏{‏واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه‏}‏ الآية قال ابن جريج‏:‏ يقولون إن النبي صلى اللّه عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال وبدىء يوم السبت ومات يوم الإثنين‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 05:28 AM   رقم المشاركة : 63
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏282‏)‏
{‏ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ‏}

هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير عن سعيد بن المسيب أنه بلغه‏:‏ أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّين‏.‏
فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينم بدين آجل مسمى فاكتبوه‏}‏، هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبّه على هذا في آخر الآية حيث قال‏:‏ ‏{‏ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا‏}‏، وقال مجاهد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه‏}‏‏.‏ قال‏:‏ أنزلت في السلم إلى اجل معلوم، وقال قتادة عن ابن عباس‏:‏ أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن اللّه أحله وأذن فيه، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى‏}‏ رواه البخاري‏
.‏ وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال‏:‏ قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏‏(‏من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فاكتبوه‏}‏ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل‏:‏ فقد ثبت في الصحيحين عن عبد اللّه بن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب‏) فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة‏؟‏ فالجواب أن الدِّين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلاً، لأن كتاب اللّه قد سهل اللّه ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضاً محفوظة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، والذي أمر اللّه بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ من أدّان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهد، وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلاً صحب كعباً فقال ذات يوم لأصحابه‏:‏ هل تعلمون مظلوماً دعا ربه فلم يستجب له‏؟‏ فقالوا‏:‏ وكيف يكون ذلك‏؟‏ قال‏:‏ رجل باع بيعاً إلى أجل فلم يُشْهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه فدعا ربه فلم يستجب له لأنه قد عصى ربه، وقال الحسن وابن جريج‏:‏ كان ذلك واجباً ثم نسخ بقوله‏:‏ ‏{‏فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته‏}‏‏.‏ والدليل على ذلك أيضاً الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقرراً في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد‏.‏
قال الإمام أحمد
عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أنه ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل سال بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال‏:‏ أئتن بشهداء أشهدهم‏؟‏ قال‏:‏ كفى باللّه شهيداً‏.‏ قال‏:‏ ائتني بكفيل، قال‏:‏ كفى باللّه كفيلاً، قال‏:‏ صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يقدم عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج أصلح موضع ما نقره موضعها ثم أتى بها البحر، ثم قال‏:‏ اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلاناً ألف دينار فسالني كفيلاً فقلت‏:‏ كفى باللّه كفيلاً فرضي بذلك، وسالني شهيداً فقلت‏:‏ كفى باللّه شهيداً فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركباً أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركباً وإني أستودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف، وهو في ذلك يطلب مركباً إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بالف دينار وقال‏:‏ واللّه ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتت فيه‏.‏ قال‏:‏ هل كنت بعثت إليَّ بشيء‏؟‏ قال‏:‏ ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل هذا الذي جئت فيه‏؟‏ قال‏:‏ فإن اللّه قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشداً"‏قال ابن كثير‏:‏ وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقاً بصيغة الجزم‏"‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فليكتب بينكم كاتب بالعدل‏}‏ أي بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يأب كاتب أن يكتب أن يكتب كما علمه اللّه فليكتب‏}‏ أي ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علَّمه اللّه ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق‏)‏،وفي الحديث الآخر‏:
‏‏
(‏من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار‏)‏، وقال مجاهد وعطاء‏:‏ واجب على الكاتب أن يكتب، وقوله‏:‏ ‏{‏وليملل الذي عليه الحق وليتق اللّه ربه‏}‏، أي وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق اللّه في ذلك، ‏{‏ولا يبخس منه شيئا‏}‏ أي لا يكتم منه شيئاً، ‏{‏فإن كان الذي عليه الحق سفيها‏}‏ محجوراً عليه بتبذيره ونحوه ‏{‏أو ضعيفاً‏}‏ أي صغيراً أو مجنوناً ‏{‏أو لا يستطيع ان يمل هو‏}‏ إما لعيّ أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه ‏{‏فليملل وليه بالعدل‏}‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم‏}‏ أم بالاستشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة، ‏{‏فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان‏}‏ وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة كما قال مسلم في صحيحه
عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار‏)‏ فقالت امرأة منهن جزلة‏:‏ وما لنا يا رسول اللّه أكثر أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن‏)‏‏.‏ قالت‏:‏ يا رسول اللّه ما نقصان العقل والدين‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين‏)‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ممن ترضون من الشهداء‏}‏ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيَّد حكَم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدلالة على أن يكون الشاهد عدلاً مرضياً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أن تضل إحداهما‏}‏ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ‏{‏فتذكر إحداهما الأخرى‏}‏ أي يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏}‏، قيل‏:‏ معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه اللّه فليكتب‏}‏، ومن ههنا استفيد أن تحمُّل الشهادة فرض كفاية، قيل‏:‏ هو مذهب الجمهور والمراد بقوله‏:‏ ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏}‏ للأداء لحقيقة قوله‏:‏ ‏{‏الشهداء‏}‏ والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية واللّه أعلم، وقال مجاهد‏:‏ إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب، وقد
ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ألا أخبركم بخير الشهداء‏؟‏ الذي ياتي بشهادته قبل أن يُسْألها‏)‏، فأما الحديث الآخر في الصحيحين‏:‏ ‏(‏الا أخبركم بشر الشهداء‏؟‏ الذين يشهدون قبل أن يُستشهَدوا‏)‏، وكذا قوله‏:‏ ‏(‏ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم وتسبق شهادتهم أيمانهم‏) وفي رواية‏:‏ ‏(‏ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون‏)‏ فهؤلاء شهود الزور‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلىأجله‏}‏ هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيراً كان أو كبيراً، فقال‏:‏ ‏{‏ولا تسأموا‏}‏ أي لا تملوا أن تكبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا‏}‏ أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً، هو ‏{‏أقسط عند اللّه‏}‏ أي أعدل، ‏{‏‏,‏أقوم للشهادة‏}‏ أي أثبت للشاهد إذا ووضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن نساه كما هو الواقع غالباً، ‏{‏وأدنى أن لا ترتابوا‏}‏ وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونا بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها‏}‏ أي إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها‏.‏
فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ يعني أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال، وقال الشعبي والحسن‏:‏ هذا الأمر منسوخ بقوله‏:‏ ‏{‏فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته‏}‏، وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب والدليل على ذلك
حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي صلى اللّه عليه وسلم ليقضيه ثم فرسه، فأسرع النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فنادى الأعربي النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي قال‏:‏ أوليس قد ابتعته منه‏؟‏ قال الأعرابي‏:‏ لا واللّه ما بعتك، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏بل قد ابتعته منك‏)‏، فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول‏:‏ هلم شهيداً يشهد أني بايعتك‏.‏ فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي‏:‏ ويلك إن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقاً، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى اللّه عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيداً يشهد أني بايعتك، قال خزيمة‏:‏ أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي صلى اللّه عليه وسلم على خزيمة فقال ‏(‏بم تشهد‏)‏‏؟‏ فقال‏:‏ بتصديقك يا رسول اللّه، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين ‏"‏رواه الإمام أحم‏"‏ولكن الإحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ ابن مردويه والحاكم في مستدركه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ثلاثة يدعون اللّه فلا يستجاب لهم‏:‏ رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلاً مالاً فلم يُشهد‏)‏"‏قال الحاكم‏:‏ صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه‏"‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ قيل‏:‏ معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يُمْلَى، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة، وقيل‏:‏ معناه لا يُضِر بهما‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم‏}‏ أي إن خالفتم ما أمرتم به، أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله‏:‏ ‏{‏واتقوا اللّه‏}‏ أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره، ‏{‏ويعلمكم اللّه‏}‏ كقوله
{‏يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا‏}‏ وكقوله‏:‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏واللّه بكل شيء عليم‏}‏ أي هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏283‏)‏
‏{‏ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ‏}‏
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إن كنتم على سفر‏}‏ أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى، ‏{‏ولم تجدوا كاتبا‏}‏ يكتب لكم، قال ابن عباس‏:‏ أو وجدوه ولم يجدوا قرطاساً أو دواة أو قلماً ‏{‏فرهان مقبوضة‏}‏ أي فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة أي في يد صاحب الحق وقد استدل بقوله‏:‏ ‏{‏فرهان مقبوضة‏}‏، على أنالرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدل بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضاً في يد المرتهن وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدل آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعاً إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين عن أنَس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير رهنها قوتاً لأهله‏
.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أمن بعضكم بعضاَ فليؤد الذي ائتمن أمانته‏}‏ روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال‏:‏ هذه نسخت ما قبلها، وقال الشعبي‏:‏ إذا ائتمن بعضكم بعضاً فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا، وقوله‏:‏ ‏{‏وليتقي اللّه ربه‏}‏ يعني المؤتمن كما
جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن سمرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏على اليد ما أخذت حتى تؤديه‏)‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏{‏ولا تكتموا الشهادة‏} أي لا تخفوها وتغلُّوها ولا تظهر
وها‏.‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ومن يكتمها فإنه آثم قلبه‏}‏ قال السُّدي‏:‏ يعن فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى‏:‏ {‏ولا نكتم شهادة اللّه إنّا إذاً لمن الآثمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهولى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا‏}وهكذا قال ههنا‏:‏{‏ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه واللّه بما تعملون عليم‏}‏‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 05:45 AM   رقم المشاركة : 64
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏284‏)‏
‏{‏لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ‏}‏
يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهم، وأنه المطلع على ما فيهن لا تخفى عليه الظواهر ولا السارئر والضمائر وإن دقت خفيت، وأخبر سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كماقال تعالى‏:‏{‏قل إن تخفوا مافي صدوركم أو تبدوه يعلمه اللّه‏}‏، وقال‏: ‏{‏يعلم السر وأخفى‏}
‏، والآيات في ذلك كثيرة جداً وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لمّا نزلت هذه اظلاية اشتد ذلك على الصحابة رضي اللّه عنهم وخافوا منها ومن محاسبة اللّه لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم‏.‏
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال‏:‏ لما نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏للّه ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واللّه على كل شيء قدير‏}‏ اشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم جثوا على الركب وقالوا‏:‏ يا رسول اللّه، كُلِّفنا من الاعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم‏:‏ سمعنا وعصينا‏؟‏ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير‏)‏، فلما أقرَّ بها القوم وذلَّت بها ألسنتهم أنزل اللّه في أثرها‏:‏ ‏{‏آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير‏}‏ فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه فأنزل قوله‏:‏ ‏{‏لا يكلف اللّه نفساً إلى وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏ إلى آخره، ورواه مسلم عن أبي هريرة ولفظه‏:‏ فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه فأنزل الله‏:‏ ‏{‏لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏ قال‏:‏ نعم، ‏{‏ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا‏}‏، قال‏:‏ نعم ‏{‏ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به‏}‏، قال‏:‏ نعم ‏{‏واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فاصرنا على القوم الكافرين‏}‏ قال‏:‏ نعم‏
.‏
طريق أخرى ‏:‏ قال ابن جرير عن سعيد بن مرجانة سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏للّه ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء‏}‏ الآية، فقال‏:‏ والله لئن واخذنا اللّه بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة‏:‏ فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها فقال ابن عباس‏:‏ يغفر اللّه لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللّه بن عمر فأنزل اللّه بعدها‏:‏ ‏{‏لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها‏}‏ إلى آخر السورة، قال ابن عباس فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة لمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى اللّه عزّ وجلّ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل‏.‏
طريق أخرى ‏:‏ عن سالم أن أباه قرأ‏:‏ ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه‏}‏ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه بان عباس فقال‏:‏ يرحم اللّه أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أنزلت فنسختها الآية التي بعدها‏:‏ ‏{‏لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها‏}‏، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة
عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه تجاوز لي عن أمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل‏)‏‏
.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏قال اللّه إذا همَّ عبيد بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشراً‏)‏‏.‏ وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إذا أحسن أحد إسلامه فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى اللّه عزّ وجلّ‏)‏
‏"‏رواه مسلم‏"‏وقال مسلم عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه كتب الحسنات والسيئات - ثم بيَّن ذلك - فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة وإن هم بها فعملها كتبها اللّه عنده سيئة واحدة‏)‏ ‏"‏أخرجهما مسلم‏"‏وروي عن أبي هريرة قال‏:‏ جاء ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسالوه فقالوا‏:‏ إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال‏:‏ ‏(‏وقد وجدتموه‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏ذاك صريح الإيمان‏)‏ ‏.‏ وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، قال‏:‏ ‏(‏تلك صريح الإيمان‏)‏
"‏أخرجهما مسلم‏"‏‏.‏
وروي ابن جرير عن مجاهد والضحّاك أنه قال‏:‏ هي محكمة لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه قتادة
عن صفوان بن محرز قال‏:‏ بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد اللّه بن عمر وهو يطوف إذا عرض له رجل فقال‏:‏ يا ابن عمر، ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في النجوى‏؟‏ قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏يدنوا المؤمن من ربه عزّ وجلّ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول له‏:‏ هل تعرف كذا‏؟‏ فيقول‏:‏ رب أعرف مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء اللّه أن يبلغ قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال‏:‏ فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الأشهاد ‏{‏هؤلاء الذي كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّه على الظالمين‏}‏
‏"‏الحديث مخرج في الصحيحين من طرق متعددة‏"‏
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

الآية رقم ‏(‏285 ‏:‏ 286‏)‏
‏{‏آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ‏.‏ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ‏}

ذكر

الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا اللّه بهما

الحديث الأول‏:‏ قال البخاري عن ابن مسعود، قال قال رسول اللّه ‏:‏ ‏(‏من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه‏)

الحديث الثاني، قال الإمام أحمد عن أبي ذر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي‏)‏‏.

الحديث الثالث‏:‏ قال مسلم عن الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد اللّه قال‏:‏ لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال‏:‏ ‏{‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏}‏ قال‏:‏ فراش من ذهب، قال‏:‏ وأعطي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثاً‏:‏ أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات‏.‏

الحديث الرابع‏:‏ قال أحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش‏)‏
الحديث الخامس‏:‏ قال ابن مردويه عن حذيفة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏فضلنا على الناس بثلاث أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعطها أحد قبلي ولا يعطاها أحد بعدي‏)‏، الحديث‏.‏

الحديث السادس قال ابن مردويه عن الحارث عن علي قال‏:‏ لا أرى أحداً عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة فإنها من كنز أعطيه نبيكم صلى اللّه عليه وسلم من تحت العرش‏.‏

الحديث السابع قال الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرأ بهن في دار ثلاث ليلا فيقر بها شيطان‏)‏، ثم قال هذا حديث غريب‏.‏

الحديث الثامن ‏:‏ قال ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال‏:‏ ‏(‏إنهما من كنز الرحمن تحت العرش‏)‏ وإذا قرأ‏:‏ ‏{‏ومن يعمل سوءاً يجز به‏}‏، ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى‏}‏ استرجع واستكان‏.‏‏.‏
الحديث التاسع قال ابن مردويه عن معقل بن يسار قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏(‏أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة‏)‏‏.‏
الحديث العاشر‏:‏ قد تقدم في فضائل الفاتحة عن ابن عباس قال‏:‏ بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال‏:‏ هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال فنزل منه ملك فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له‏:‏ ابشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلأ أوتيته‏"‏رواه مسلم والنسائي‏.‏
فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه‏}‏ إخبار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك‏.‏
روى الحاكم في مستدركه عن أنَس بن مالك قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية على النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه‏}‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏حق له أن يؤمن‏)
ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمؤمنون‏}‏ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع، فقال‏:‏ ‏{‏كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله‏}‏ فالمؤمنون يؤمنون بأن اللّه واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الانبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد اللّه المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببععض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارُّون راشدون مهديُّون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بع بإذن اللّه حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله‏:‏ ‏{‏وقالوا سمعنا وأطعنا‏}‏ أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ‏{‏غفرانك ربنا‏}‏ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف‏.‏
قال ابن جرير‏:‏
لما نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير‏}‏ قال جبريل‏:‏ إن اللّه قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل‏:‏ ‏{‏لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها‏}‏ إلى آخر الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها‏}‏ أي لا يكلف أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله‏:‏ ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه‏}‏، أي هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله‏:‏ ‏{‏لها ما كسبت‏}‏ أي من خير،{‏وعليها ما اكتسبت‏}‏ أي من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف ثم قال تعالى مرشداً عباده إلى سؤاله وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلَّمهم أن يقولوا‏:‏{‏بنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏ أي إن تركنا فرضنا على جهة النسيان، أو فعلنا حراماً كذلك، أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلاً منه بوجهه الشرعي‏.‏ وعنابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"‏رواه ابن ماجه وابن حبان‏"‏وعن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه تجاوز لأمتي عن ثلاث‏:‏ الخطأ، والنسيان والاستكراه‏)‏‏
.‏ قال أبو بكر فذكرت ذلك للحسن، فقال‏:‏ أجل أما تقرأ بذلك قرآنا‏:‏ ‏{‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏ ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربنا لوا تحمل علينا إصراً كما حملت على الذين من قبلنا‏}‏ أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قلنا من الأغلال والآصار، التي كانت عليهم التي بعثت نبيك محمداً صلى اللّه عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه، في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح‏.‏ وجاء في الحديث من طرق عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏
‏(‏بعثت بالحنيفية السمحة‏)‏‏
.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به‏}‏ أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلينا بما لا قبل لنا به، وقد قال مكحول في قوله‏:‏ ‏{‏ربنا لوا تحملنا ما لا طاقة لنا به‏}‏ قال ‏:‏ العزبة والغلمة‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعف عنا‏}‏ أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا، ‏{‏واغفر لنا‏}‏ أي فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة، ‏{‏وارحمنا‏}‏ أي فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا‏:‏ إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء‏:‏ أن يعفو اللّه عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنت مولانا‏}‏ أي أنت ولينا وناصرنا وعليك توكلنا، وأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، ‏
{‏فانصرنا على القوم الكافرين‏}أي الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم‏.‏
قال ابن جرير عن أبي إسحاق‏:‏ إن معاذاً رضي اللّه عنه كان إذا فرغ من هذه السورة ‏{‏وانصرنا على القوم الكافرين‏}‏ قال‏:‏ آمين‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 05:49 AM   رقم المشاركة : 65
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور





اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

اللهم لاتؤاخذني ان نسيت او اخطأت

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة








التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 12-06-2014, 01:33 PM   رقم المشاركة : 66
شمس القوايل
المشرفة العامة
 
الصورة الرمزية شمس القوايل

بارك الله فيج وجزاج الله الخير

وجعلها في ميزان حسناتج







التوقيع :


اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 13-06-2014, 03:11 AM   رقم المشاركة : 67
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شمس القوايل
بارك الله فيج وجزاج الله الخير

وجعلها في ميزان حسناتج

●●●
يمرحبا
هلااااااااااوغلاااااااااااا
يسعدلي قلبك ويسلمووو وربي على الحضور الرائع بصفحتي
وجزاك الله كووول خير ويعطيك الصحة والسعادة يارب
تقبلي شكري وتقديري واحترامي
مع تحياتي : قلب الزهـــور ..بباي









التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 07-11-2014, 09:42 PM   رقم المشاركة : 68
نبض قلب
( ود فعّال )
 






نبض قلب غير متصل

جزاك الله خير على الموضوع







التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
   


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:33 PM.




 


    مجمموعة ترايدنت العربية