العودة   منتديات الـــود > +:::::[ الأقسام العامة ]:::::+ > ۞ مكتبة الــوٍد الإسلامية ۞
إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 2 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
قديم 25-04-2014, 03:26 AM   رقم المشاركة : 11
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏42 ‏:‏ 43‏)‏
‏{‏ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ‏.‏ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ‏}

يقول تعالى ناهياً لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل ‏{‏ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون‏}‏ فنهاهم عن الشيئين معاً، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به‏.‏ ولهذا قال ابن عباس ‏{‏ولا تلبسوا الحق بالباطل‏}‏‏:‏ لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب، وقال أبو العالية‏:‏ ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد اللّه من أُمة محمد صلى اللَه عليه وسلم، وقال قتادة ‏{‏ولا تلبسوا الحق بالباطل‏}‏‏:‏ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين اللّه الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من اللّه‏.‏ عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وتكتموا الحق وأنتم تعلمون‏}‏ أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم وقال مجاهد والسدي‏:‏ ‏{‏وتكتموا الحق‏}‏ يعني محمداً صلى اللَه عليه وسلم ‏.‏ قلت وتكتموا يحتمل أن يكون مجزوماً ويحتمل أن يكون منصوباً أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال‏:‏ لا تأكل السمك وتشرب اللبن‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وفي مصحف ابن مسعود ‏{‏وتكتموا الحق‏}‏ أي في حال كتمانكم الحق، ‏{‏وأنتم تعلمون‏}‏ حال أيضاً، ومعناه وأنتم تعلمون الحق ويجوز أن يكون المعنى وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس، من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم، والبيانُ‏:‏ الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل ‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى اللَه عليه وسلم ‏{‏وآتوا الزكاة‏}‏ أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي صلى اللَه عليه وسلم ‏{‏واركعوا مع الراكعين‏}
أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى اللَه عليه وسلم يقول‏:‏ كونوا معهم ومنهم‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏44‏)‏
‏{‏ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ‏}‏
معناه‏:‏ كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب وأنتم تأمرون الناس بالبر - وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم فلا تأتمرون بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر اللّه‏؟‏ ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم‏؟‏ وهذا كما قال قتادة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم‏}‏ قال‏:‏ كان بنوا إسرائيل يأمرون الناس بطاعة اللّه، وبتقواه ويخالفون، فعيَّرهم اللّه عزّ وجلّ‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏وتنسون أنفسكم‏}‏ أي تتركون أنفسكم ‏{‏وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون‏}
أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيه من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من كتابي‏.‏ وقال الضحّاك عن ابن عباس في هذه الآية‏:‏ يقول أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى اللَه عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة وتنسون أنفسكم‏.‏
قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه‏:‏ لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتاً، وقال عبد الرحمن بن أسلم في هذه الآية‏:‏ هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون‏}‏‏؟‏ والغرضُ أن اللّه تعالى ذمَّهم على هذا الصنيع، ونبَّههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب عليه السلام‏:‏ ‏{‏وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ‏.‏ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت‏}
‏‏.
فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجبٌ، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولي العلماء من السلف والخلف‏.‏ وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف‏.‏ والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال سعيد بن جبير‏:‏ لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى عن منكر‏.‏
قلت لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية، لعلمه بها مخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك كما قال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ مَثَل العالم الذي يعلِّمُ الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه ‏"(3)‏رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه‏ "‏رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه‏ "‏رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه‏ "‏رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه‏ "‏رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه‏ "‏رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه‏"‏‏(‏ وقال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏مررت ليلة أسرى بي على قوم تُقْرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت‏:‏ من هؤلاء‏؟‏ قالوا‏:‏ خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون‏)‏ ‏"(4)‏رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك‏ ‏، "‏رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك‏ ‏، "‏رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك‏ ‏، "‏رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك‏ ‏، "‏رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك‏ ‏، "‏رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك‏"‏، وقال صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان ما أصابك‏؟‏ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر‏؟‏ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه‏)‏ ‏"(5)‏رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏ "‏رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏ "‏رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏ "‏رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏ "‏رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏ "‏رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏"‏، وقد ورد في بعض الآثار أنه يغفر للجاهل سبعين مرة، حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم‏.‏ وقال تعالى‏:‏{‏قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب‏}‏، وروي عن النبي صلى اللَه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن أناساً من أهل الجنة يطّلعون على أناس من أهل النار، فيقولون بم دخلتم النار‏؟‏ فواللّه ما دخلنا الجنة إلا بما تعلَّمنا منكم، فيقولون‏:‏ إنّا كنا نقول ولا نفعل‏)‏ ‏"(6)
‏رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة‏ ‏ "‏رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة‏ ‏ "‏رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة‏ ‏ "‏رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة‏ ‏ "‏رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة‏ ‏ "‏رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة‏"‏
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال يا ابن عباس‏:‏ إني أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال‏:‏ أبلغْتَ ذلك‏؟‏ قال‏:‏ أرجو، قال‏:‏ إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب اللّه فافعل، قال‏:‏ وما هن‏؟‏ قال‏:‏ قوله تعالى‏:
‏{‏أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم‏}‏ أحكمت هذه‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فالحرف الثاني، قال‏:‏ قوله تعالى‏:‏{‏لم تقولون ما لا تفعلون‏؟‏ كبر مقتا عن الله أن تقولوا ما لا تفعلون‏}‏ أحكمت هذه‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فالحرف الثالث، قال‏:‏ قول العبد الصالح شعيب عليه السلام‏:‏ ‏{‏وما أُريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح‏}‏ أحمكت هذه الآية‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فابدأ بنفسك ‏(7) ‏رواه الضحّاك عن ابن عباس‏ " ‏رواه الضحّاك عن ابن عباس‏ " ‏رواه الضحّاك عن ابن عباس‏ " ‏رواه الضحّاك عن ابن عباس‏ ""(8)"‏وقال ابراهيم النخعي‏:‏ إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون‏}‏، وقوله إخباراً عن شعيب‏:‏ ‏{‏وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه‏}‏‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏45 ‏:‏ 46‏)‏
‏{‏ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ‏.‏ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ‏}

يأمر تعالى عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة كما قال مقاتل في تفسير هذه الآية‏:‏ استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة‏.‏ فأما الصبر فقيل‏:‏ إنه الصيام‏.‏
قال القرطبي‏:‏ ولهذه يسمى رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث‏:‏ ‏(‏الصوم نصف الصبر‏)‏ وقيل‏:‏ المراد بالصبر الكف عن المعاصي ولهذا قرنه بأداء العبادات، وأعلاها فعل الصلاة‏.‏ قال عمر بن الخطّاب‏:‏ الصبر صبران‏:‏ صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم اللّه‏.‏ وقال أبو العالية‏:‏ ‏{‏واستعينوا بالصبر والصلاة‏}‏ على مرضاة اللّه، واعلموا أنها من طاعة اللّه‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏والصلاة‏}‏ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏}
الآية‏.‏
وكان رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ‏"(9)‏رواه أحمد وأبو داود‏ "‏رواه أحمد وأبو داود‏ "‏رواه أحمد وأبو داود‏ "‏رواه أحمد وأبو داود‏ "‏رواه أحمد وأبو داود‏ "‏رواه أحمد وأبو داود‏"‏وعن علي رضي اللّه عنه قال‏:‏ لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم يصلّي ويدعو حتى أصبح‏.‏ وروي أن ابن عباس نعي إليه أخوة قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول‏:‏ ‏{‏واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين‏}‏، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وإنها لكبيرة‏}‏ عائد إلى الصلاة، ويحتمل أن يكون عائداً على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون‏:‏ ‏{‏ولا يلقاها إلا الصابرون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم‏}‏ أي وما يلقَّى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم‏.‏ وعلى كل تقدير فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنها لكبيرة‏}‏ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، قال ابن عباس‏:‏ يعني المصدقين بما أنزل اللّه، وقال مجاهد‏:‏ المؤمنين حقاً، وقال أبو العالية‏:‏ الخائفين، وقال مقاتل‏:‏ المتواضعين، وقال الضحّاك ‏{‏وإنها لكبيرة‏}‏ قال‏:‏ إنها لثقيلة إا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده‏.‏ وقال ابن جرير معنى الآية‏:‏ واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة اللّه وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا اللّه، العظيمة إقامتها ‏{‏إلا على الخاشعين‏}
‏ أي المتواضعين المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته‏.‏ هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطاباً في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، واللّه أعلم‏.‏
وقوله تعالى ‏{‏الذي يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون‏}‏ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي أن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه وأنهم إليه راجعون أي أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء، سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات‏.‏ فأما قوله ‏{‏يظنون أنهم ملاقوا ربهم‏}‏ فالمراد يعتقدون، والعرب قد تسمي اليقين ظناً والشك ظناً، نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفه‏.‏ ومنه قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها‏}‏، قال مجاهد‏:‏ كلُّ ظنٍ في القرآن يقين‏.‏ وعن أبي العالية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم‏}‏ قال‏:‏ الظن ههنا يقين، وعن ابن جريج‏:‏ علموا أنهم ملاقوا ربهم كقوله‏:‏ ‏{‏إني ظننت أني ملاق حسابيه‏}‏ يقول علمت‏.‏ قلت وفي الصحيح‏:‏ إن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة‏:‏ ‏(‏ألم أزوجك ألم أكرمك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع‏؟‏‏)‏ فيقول بلى، فيقول اللّه تعالى‏:‏ ‏(‏أظننت أنك ملاقيَّ‏)‏، فيقول‏:‏ لا، فيقول اللّه اليوم أنساك كما نسيتني وسيأتي مبسوطاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نسو اللّه فنسيهم‏}‏، إن شاء اللّه تعالى‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 25-04-2014, 04:05 AM   رقم المشاركة : 12
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏47‏)‏
‏{‏ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ‏}

يذكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضَّلهم به من إرسال الرسل منهم وأنزل الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد اخترناهم على علم على العالمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين‏}‏ قال أبو العالية في قوله تعالى ‏{‏وإني فضلتكم على العالمين‏}‏ على عالم مَنْ كان في ذلك الزمان فإن لكل زمان عالماً، ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏}‏، وقال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أنتم توفون سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على اللّه ‏"(10)
‏رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً‏ ‏‏)‏، "‏رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً‏ ‏‏)‏، "‏رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً‏ ‏‏)‏، "‏رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً‏ ‏‏)‏، "‏رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً‏ ‏‏)‏، "‏رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً‏"‏‏)‏، والأحاديث في هذا كثيرة، وقيل‏:‏ المراد تفضيلٌ بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقاً، حكاه الرازي وفيه نظر‏.‏ وقيل‏:‏ فضّلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم، ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات اللّه وسلامه عليه‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏48‏)‏ ‏
{‏ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة
ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ‏}
لما ذكَرهم تعالى بنعمه أولاً، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة فقال‏:‏ ‏{‏واتقوا يوماً‏}‏ يعني يوم القيامة ‏{‏لا تجزى نفس عن نفس شيئاً‏}‏ أي لا يغني أحد عن أحد، كما قال‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودُ هو جاز عن والده شيئاً‏}‏ فهذه أبلغ المقامات أن كلاً من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يقبل منها شفاعة‏}‏ يعني من الكافرين كما قال‏:‏ ‏{‏فما تنفعهم شفاعة الشافعين‏}‏، وكما قال عن أهل النار‏:‏ ‏{‏فما لنا من شافعين ولا صديق حميم‏}
‏،
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يؤخذ منها عدل‏}‏ أي لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا‏}‏ الآية‏.‏ فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ووافوا اللّه يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب، ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهباً، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا بيعٌ فيه ولا خلال‏}‏ قال ابن عباس ‏{‏ولا يؤخذ منها عدل‏}
قال‏:‏ بدلٌ والبدل الفدية‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا هم ينصرون‏}‏ أي ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب اللّه، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم كما قال‏:‏ ‏{‏فما له من قوة ولا ناصر‏}‏ أي أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ أحداً من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون اللّه قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم‏}‏ الآية‏.‏ وقال الضحّاك عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما لكم لا تناصرون‏}‏ ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات ليس ذلك لكم اليوم، قال ابن جرير‏:‏ وتأويل قوله‏:‏ ‏{‏ولا هم ينصرون‏}‏ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ‏.‏ بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل، الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها‏.‏ وذلك نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون‏؟‏ بل هم اليوم مستسلمون‏}
‏‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏49 ‏:‏ 50‏)‏
‏{‏ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ‏.‏ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ‏}

يقول تعالى اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم، إذا نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، أي خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى عليه السلام، وقد كانوا يسومونكم أي يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب وذلك أن فرعون لعنه اللّه كان قد رأى رؤيا هالته، رأى ناراً خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، فعند ذلك أمر فرعون لعنه اللّه بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها، وههنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال‏:‏ ‏{‏يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم‏}
‏، وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القَصَص، إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة والمعونة والتأييد‏.‏ ومعنى يسومونكم يولونكم كما يقال‏:‏ سامه خطه خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو ابن كلثوم‏:‏
إذ ما الملك سام الناس خسفاً * أبينا أن نُقرَّ الخسف فينا
وقيل معناه‏:‏ يديمون عذابكم، وإنما قال ههنا‏:‏ ‏{‏يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم‏}‏ ليكون ذلك تفسيراً للنعمة عليهم في قوله‏:‏ ‏{‏يسومونكم سوء العذاب‏}‏ ثم فسره بهذا لقوله ههنا ‏{‏اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم‏}‏‏.‏ وأما في سورة إبراهيم فلما قال‏:‏ ‏{‏وذكرهم بأيام الله‏}‏ أي بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك‏:‏ ‏{‏يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم‏}‏، فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل‏؟‏ وفرعون عَلَمٌ على كل من ملك مصر كافراً من العماليق وغيرهم، كما أن قيصرعَلَمٌ على كل من ملك الروم مع الشام كافراً، و كسرى لمن ملك الفرس‏.‏ ويقال‏:‏ كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى عليه السلام الوليد ابن مصعب بن الريان فكان من سلالة عمليق، وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من اصطخر‏.‏ وأياً ما كان فعليه لعنة اللّه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفي ذلكم بلاء‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون، بلاء لكم من ربكم عظيم، أي نعمة عظيمة عليكم في ذلك، وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونبلوكم بالشر والخير فتنة‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وبلوناهم بالحسنات والسيئات‏}
‏‏.‏
وقيل المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وفي ذلكم بلاء‏}
إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء، قال القرطبي‏:‏ وهذا قول الجمهور والبلاء ههنا في الشر، والمعنى‏:‏ وفي الذبح مكروه وامتحان‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون‏}‏ معناه‏:‏ وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى عليه السلام، خرج فرعون في طلبكم ففرقنا بكم البحر، ‏{‏فأنجيناكم‏}‏ أي خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك اشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم‏.‏ وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، لما روي عن ابن عباس قال‏:‏ قدم رسول الله صلى اللَه عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا اليوم الذي تصومون‏؟‏‏)‏، قالوا‏:‏ هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى اللّه عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى عليه السلام، فقال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم ‏(‏ أنا أحق بموسى منكم‏)‏ فصامه رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم وأمر بصومه ‏"(11)
‏أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق نحو ما تقدم‏ ‏ "‏أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق نحو ما تقدم‏ ‏ "‏أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق نحو ما تقدم‏ ‏ "‏أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق نحو ما تقدم‏ ‏ "‏أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق نحو ما تقدم‏ ‏ "‏أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق نحو ما تقدم‏"‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏51 ‏:‏ 53‏)‏
‏{‏ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ‏.‏ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ‏.‏ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا نعمتي عليكم‏}‏ في عفوي عنكم، لمّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوماً وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر‏}
وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذْ آتينا موسى الكتاب‏}‏ يعني التوراة، ‏{‏والفرقان‏}‏ وهو ما يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلالة ‏{‏لعلكم تهتدون‏}‏، وكان ذلك أيضاً بعد خروجهم من البحر كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى‏}
‏‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏54‏)‏
‏{‏ وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ‏}

هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع ‏{‏فتوبوا إلى بارئكم‏}‏ أي إلى خالقكم‏.‏ وفي قوله ههنا ‏{‏إلى بارئكم‏}‏ تنبيه على عظم جرمهم، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره، قال ابن جرير بسنده عن ابن عباس‏:‏ أمر قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم قال‏:‏ وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل، كلُّ من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقى كانت له توبة‏.‏ وقال السدي‏:‏ في قوله ‏{‏فاقتلوا أنفسكم‏}‏ قال‏:‏ فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل ربنا البقية الباقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيداً، ومن بقي مكفراً عنه فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم‏}‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ لما رجع موسى إلى قومه وأحرق العجل وذراه في اليم خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل فقال‏:‏ لا إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال‏:‏ فبلغني أنهم قالوا لموسى نصبر لأمر اللّه، فأمر موسى من لم يكن عَبَد العجل أن يقتل من عبده، فجعلوا يقتلونهم، فهش موسى، فبكى إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم فتاب اللّه عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف‏.‏ وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ لمّا رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين رجالً قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى‏:‏ انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا‏:‏ يا موسى ما من توبة‏؟‏ قال‏:‏ بلى ‏{‏اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم‏}‏ الآية، فاخترطوا السيوف والخناجر والسكاكين، قال‏:‏ وبعث عليهم ضبابة فجعلوا يتلامسون بالأيدي ويقتل بعضهم بعضاً، ويلقي الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري‏.‏ قال‏:‏ ويتنادون فيها رحم اللّه عبداً صبر نفسه حتى يبلغ اللّه رضاه، قال فقتلاهم شهداء وتيب على أحيائهم ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم‏}‏‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 25-04-2014, 04:16 AM   رقم المشاركة : 13
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏55 ‏:‏ 56‏)‏
{‏ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ‏.‏ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ‏}

يقول تعالى‏:‏ واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق، إذا سألتم رؤيتي جهرةً عياناً مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏"‏جهرةً‏"‏علانية، وقال الربيع بن أنَس‏:‏ هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه، قال فسمعوا كلاماً فقالوا‏:‏ ‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة‏}‏، قال‏:‏ فسمعوا صوتاً فصعقوا، يقول ماتوا‏.‏ قال السدي في قوله ‏{‏فأخذتكم الصاعقة‏}‏ الصاعقة‏:‏ نار فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو اللّه ويقول‏:‏ رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ‏{‏لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا‏}‏ فأوحى اللّه إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن اللّه أحياهم فقاموا وعاشوا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون‏؟‏ قال‏:‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون‏}
‏ وقال الربيع ابن أنَس‏:‏ كان موتهم عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم، وقال ابن جرير‏:‏ لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرَّق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، وقال‏:‏ انطلقوا إلى اللّه وتوبوا إلى اللّه مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم‏.‏ صوموا وتطَّهروا وطهِّروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقاتِ وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء اللّه‏:‏ يا موسى اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا‏.‏ فقال‏:‏ أفعل‏.‏
فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم‏:‏ ادنوا‏.‏ وكان موسى إذا كلمه اللّه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه‏:‏ افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم، فقالوا لموسى‏:‏ ‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة‏}‏، فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة، فماتوا جميعاً، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول‏:‏ ‏{‏رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي‏}‏ قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا‏؟‏ أي إن هذا لهم هلاك، واختر منهم سبعين رجلاً الخير فالخير أرجع إليهم وليس معي منهم رجُل واحد، فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا‏؟‏ ‏{‏إنا هدنا إليك‏}
‏ فلم يزل موسى يناشد ربه عزّ وجلّ ويطلب إليه حتى ردَّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال‏:‏ لا إلا أن يقتلوا أنفسهم‏.‏ وقال السُّدي‏:‏ لمّا تابت بنوا إسرائيل من عبادة العجل وتاب اللّه عليهم بقتل بعضهم لبعض كما أمره اللّه به، أمر اللّه موسى أن يأتيه في أُناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى فاختار موسى سبعين رجُلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا وساق البقية‏.‏ والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسِّرين سواه، وقد غلط أهل الكتاب في دعواهم أن هؤلاء رأوا اللّه عزّ وجلّ، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك فمُنِع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون‏!‏‏؟‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏57‏)‏
‏{‏ وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ‏}

لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكِّرهم أيضاً بما أسبغ عليهم من النعم فقال‏:‏ ‏{‏وظلّلنا عليكم الغمام‏}‏ جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغمّ السماء أي يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حرّ الشمس‏.‏ وقال الحسن وقتادة ‏{‏وظلّلنا عليكم الغمام‏}‏‏:‏ كان هذا في البرّية ظلل عليهم الغمام من الشمس وعن مجاهد ‏{‏وظلّلنا عليكم الغمام‏}‏ قال‏:‏ ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي اللّه فيه في قوله‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة‏}
وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، قال ابن عباس‏:‏ وكان معهم في التيه‏.‏
‏{‏وأنزلنا عليكم المَنَّ‏}
‏ اختلفت عبارات المفسِّرين في المن ما هو‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا، وقال السُّدي‏:‏ قالوا‏:‏ يا موسى كيف لنا بما ههنا، أي الطعام‏؟‏ فأنزل عليهم المنّ فكان يسقط على شجرو الزنجبيل‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كان المن ينزل عليهم في محلّهم سقوط الثلج، أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك‏.‏ وقال عبد الرحمن بن اسلم‏:‏ إنه العسل‏.‏
والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن‏.‏ فمنهم من فسَّره بالطعام، ومنهم من فسَّره بالشراب، والظاهر - واللّه أعلم - أنه كل ما امتنَّ اللّه به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد‏.‏
فلمن المشهور إن أكل وحده كان طعاماً وحلاوة، وإن مُزج مع الماء صار شراباُ طيّباً، وإن ركِّب مع غيره صار نوعاً آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده، والدليل على ذلك قول النبي صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ‏"‏رواه البخاري وأخرجه الجماعة إلا أبا داود‏"‏‏)‏‏.‏وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين‏.‏ ‏"
‏تفرد بإخراجه الترمذي وقال حديث حسن غريب‏"‏
وأما السلوى فقال ابن عباس‏:‏ السلوى طائر يشبه السماني كانوا ياكلون منه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه وقال السُّدي‏:‏ لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى عليه السلام‏:‏ كيف لنا بما ههنا، أين الطعام‏؟‏ فأنزل اللّه عليهم المن‏.‏ فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السماني أكبر منه فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سميناً ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه، فقالوا‏:‏ هذا الطعام فاين الشراب‏؟‏ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً فشرب كل سبط من عين، فقالوا‏:‏ هذا الشراب فأين الظل‏؟‏ فظلل عليهم الغمام، فقالوا‏:‏ هذا الظل فأين اللباس‏؟‏ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وظلّلنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى‏}
‏ قال ابن عباس‏:‏ خلق لهم في التيه ثياب لا تَخْرق ولا تَدْرن لا تدرن ‏:‏ أي لا يصيبها وسخا ولا قذارة والدرن الوسخ قال ابن جريج‏:‏ فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق يوم فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسداً‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا من طيبات ما رزقناكم‏}‏ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏}‏ أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال‏:‏ ‏{‏كلوا من رزق ربكم واشكروا له‏}‏ فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم‏.‏ هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات،
من ههنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى اللَه عليه وسلم ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء، في صبرهم وثباتهم، وعدم تعنتهم مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحرّ الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلاً على النبي صلى اللَه عليه وسلم، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدْر مبرك الشاة فدعا اللّه فيه وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل اللّه تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏58 ‏:‏ 59‏)‏
‏{‏ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ‏.‏ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ‏}‏ يقول تعالى لائماً لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام فأمروا بدخول الأرض المقدسة، التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم اللّه في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك غير واحد، وقد قال اللّه تعالى حاكياً عن موسى‏:‏ ‏{‏يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه لكم ولا ترتدوا‏}‏ الآيات‏.‏ وقال آخرون‏:‏ هي أريحا وهذا بعيد لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لأريحا وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب - باب البلد - سجدا أي شكراً للّه تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال‏.‏ قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وادخلوا الباب سجداً‏}
أي ركعاً، وقال الحسن البصري‏:‏ أُمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم واستبعده الرازي، وحكي عن بعضهم أن المراد ههنا بالسجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته، وقال السُّدي‏:‏ عن عبد اللّه بن مسعود‏:‏ قيل لهم ادخلوا الباب سجداً فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي رافعي رؤوسهم خلاف ما أُمروا‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقولو حطة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ مغفرة استغفروا، وقال الضحّاك عن ابن عباس ‏{‏وقولوا حطة‏}‏ قال‏:‏ قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم، وقال الحسن وقتادة‏:‏ أي احطط عنا خطايانا ‏{‏نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين‏}‏ وقال‏:‏ هذا جواب الأمر، أي إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات، وضاعفنا لكم الحسنات‏.‏ وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا للّه تعالى عند الفتح بالفعل والقول وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يظهر عليه الخضوع جداً عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلاً إليها من الثنية العليا وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله شكراً للّه على ذلك‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم‏}‏ روي البخاري عن النبي صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة ‏"(12)‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏ "‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏ "‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏ "‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏ "‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏ "‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏(‏ وقال الثوري عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ادخلوا الباب سجدا‏}‏ قال‏:‏ ركعا من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا حنطة فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم‏}
‏‏.‏
وحاصل ما ذكره المفسِّرون وما دلّ عليه السياق أنهم بدّلوا أمر اللّه لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأُمروا أن يدخلوا سجداً فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعي رؤوسهم، وأُمروا أن يقولوا حطة أي أحطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل اللّه بهم بأسه وعذابه بفسقهم وهو خروجهم عن طاعته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون‏}
‏‏.‏
وقال الضحّاك عن ابن عباس‏:‏ كل شيء في كتاب اللّه من الرجز يعني به العذاب، وقال أبو العالية‏:‏ الرجُز الغضبُ، وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو الطاعون، لحديث‏:‏ ‏(‏الطاعون رجز عذاب عُذّب به من كان قبلكم ‏"‏الحديث رواه النسائي وأصله في الصحيحين‏"‏‏)‏‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 26-04-2014, 01:37 AM   رقم المشاركة : 14
شمس القوايل
المشرفة العامة
 
الصورة الرمزية شمس القوايل

بارك الله فيج وجزاج الله الخير

وجعله في ميزان حسناتج







التوقيع :


اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2014, 03:08 AM   رقم المشاركة : 15
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شمس القوايل
بارك الله فيج وجزاج الله الخير

وجعله في ميزان حسناتج

●●●
هلااااااااااوغلاااااااااااا

يسعدلي قلبك ويسلمووو وربي على الحضور الرائع بصفحتي
وجزاك الله كووول خير ويعطيك الصحة والسعادة يارب
تقبلي شكري وتقديري واحترامي
مع تحياتي : قلب الزهـــور ..بباي









التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2014, 03:24 AM   رقم المشاركة : 16
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

الآية رقم ‏(‏60‏)‏
{‏ وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ‏}

يقول تعالى‏:‏ واذكروا نعمتي عليكم في أجابتي لنبيكم موسى عليه السلام، حين استسقاني لكم وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عيناً لكل سبط من أسباطكم عينُ قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم، بلا سعي منكم ولا جَدّ، واعبدوا الذي سخَّر لكم ذلك، {‏ولا تعثوا في الأرض مفسدين‏}
ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتُسْلَبوها‏.‏ وقد بسطه المفسِّرون في كلامهم كما قال ابن عباس رضي اللّه عنه‏:‏ وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، وقال قتادة‏:‏ كان حجراً طورياً - من الطور - يحملونه معهم حتى نزلوا ضربه موسى بعصاه، وقيل‏:‏ هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه حين اغتسل فقال له جبريل ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن‏:‏ لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال‏:‏ وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه فييبس وقال الضحاك قال ابن عباس لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهاراً، وقال الثوري عن ابن عباس‏:‏ قال ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عيناً من ماء لكل سبط منهم عينا يشربون منها‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏61‏)‏
{‏ وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ‏}

يقول تعالى‏:‏ واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المنَّ والسلوى طعاماً طيباً نافعاً هنيئاً سهلاً، واذكروا ضجركم مما رزقناكم وسؤالكم موسى الأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم، قال الحسن البصري‏:‏ فبطروا وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوماً أهل أعداس وبصل وبقل وفوم، فقالوا‏:‏{‏يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج مما تنبت الأرض من بقلها وقثاءهم وفومها وعدسها وبصلها‏}‏
وإنما قالوا على طعام واحد وهم يأكلون المن والسلوى لأنه لا يتبدَّل ولا يتغير كل يوم فهو مأكل واحد، وأما الفوم فقال ابن عباس‏:‏ الثوم، وقال آخرون‏:‏ الفوم‏:‏ الحنطةُ وهو البُرَّ الذي يعمل منه الخبز، روي أن ابن عباس سئل عن قول اللّه ‏{‏وفومها‏}‏ ما فومها‏؟‏ قال‏:‏ الحنطة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول‏:‏
قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً * ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال ابن جرير، عن ابن عباس في قول اللّه تعالى ‏{‏وفومها‏}‏ قال‏:‏ الفوم الحنطة بلسان بني هاشم، وقال الجوهري‏:‏ الفوم الحنطة، وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة‏:‏ أن الفوم كل حب يختبز، قال‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ هو الحمص لغة شامية، قال البخاري‏:‏ وقال بعضهم الحبوب التي تؤكل كلها فوم، وقوله‏:
‏ ‏{‏قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير‏}‏‏؟‏ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اهبطوا مصراً‏}‏ هكذا هو منون مصروف، وقال ابن عباس‏:‏ مصراً من الأمصار‏.‏ والمعنى أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل اللّه فيه‏.‏ ولهذا قال‏:{‏أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم‏}
أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه، واللّه أعلم‏.‏
‏{‏ وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ‏}‏
يقول تعالى‏:{‏وضربت عليهم الذلة والمسكنة‏}أي وضعت عليهم وألزموا بها شرعاً وقدراً، أي لا يزالون مستذلين من وَجَدهم استذلهم وأهانهم وضربَ عليهم الصغاَر، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء مستكينون‏.‏ يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قال الضحّاك‏:‏ ‏{‏وضربت عليهم الذلة‏} قال‏:‏ الذل، وقال الحسن‏:‏ أذلهم اللّه فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجيبهم الجزية، وقال أبو العالية والسُّدى‏:‏ المسكنةُ الفاقةُ، وقوله تعالى‏:‏{‏وباؤا بغضب من اللّه‏}‏ استحقوا الغضب من اللّه، وقال ابن جرير‏:‏ يعني بقوله ‏{‏وباؤوا بغضب من اللّه‏}‏‏:‏ انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باء إلا موصولاً إما بخير وإما بشر، يقال منه‏:‏ باء فلان بذنبه يبوء به، ومنه قوله تعالى‏:{‏إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك‏}
‏ يعني تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني، فمعنى الكلام رجعوا منصرفين متحملين غضب اللّه قد صار عليهم من اللّه غضب ووجب عليهم من اللّه سخط‏.‏
وقوله تعالى‏:‏
{‏ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون النبيين بغير الحق‏} يقول اللّه تعالى هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب بهم من الذلة، بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات اللّه وإهانتهم حَمَلة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات اللّه وقتلوا أنبياء اللّه بغير الحق، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناسِ‏)‏ ‏"‏هذا جزء من حديث شريف وأوله ‏(‏لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر‏.‏‏.‏‏)‏الحديث‏"‏يعني رد الحق وانتقاص الناس والإزدراء بهم والتعاظم عليهم‏.‏ ولهذا لما ارتكب بنوا إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات اللّه وقتلهم أنبياءه،أحل اللّه بهم بأسه الذي لا يُرد، وكساهم ذلاً في الدنيا موصولاً بذل الآخرة جزاءً وفاقاً‏.عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ ‏(‏كانت بنوا إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار‏)‏ ‏(13) " " " " "(14)‏رواه أبو داود الطيالسي‏"‏وعن عبد اللّه بن مسعود‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة رجلٌ قتله نبي أو قَتَل نبيا، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين‏)(15)‏وقوله تعالى‏:‏{‏ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون‏}
وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان فعل المناهي، والاعتداءُ المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به، واللّه أعلم‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم‏(‏
{‏ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏}
لما بيّن‏)‏
تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبّه تعالى على أن من أحسن من الأُمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كلُّ من اتبع الرسول النبي الأُمّي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه كما قال تعالى‏:‏
{‏ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏} عن مجاهد قال‏:‏ قال سلمان رضي اللّه عنه‏:‏ سألت النبي صلى اللَه عليه وسلم عن أهل دين كنتُ معهم فذكرت من صَلاتهم وعبادتهم، فنزلت‏:‏{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللّه واليوم الآخر‏} إلى آخر الآية‏.‏ وقال السُّدي‏:‏ نزلت في اصحاب ‏"‏سلمان الفارسي‏"‏بينا هو يحدِّث النبي صلى اللَه عليه وسلم إذا ذكر أصحابه فأخبروه خبرهم فقال‏:‏ كانوا يصلون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له النبي صلى اللَه عليه وسلم ‏:‏ يا سلمان هم من أهل النار‏(‏ فاشتد ذلك على سلمان فأنزل اللّه هذه الآية
فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنّة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسُنَّة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكاً، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمناً مقبولاً منه حتى جاء محمد صلى اللَه عليه وسلم فمن لم يتبع محمداً صلى اللَه عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكاً‏.‏
قلت وهذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس
{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا‏}الآية قال‏:‏ فأنزل اللّه بعد ذلك‏:‏{‏ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‏}فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقه ولا عملاً إلا ما كان موافقاً لشريعة محمد صلى اللَه عليه وسلم بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة كقول موسى عليه السلام‏:‏{‏إنا هدنا إليك‏}أي تبنا فكأنَّهم سموا بذلك في الاصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض، وقيل‏:‏ لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، فلما بعث عيسى صلى اللَه عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم أنصار أيضاً كما قال عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏من أنصاري إلى الله‏؟‏ قال الحوارين نحن أنصار الله‏}‏وقيل إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنّهم نزلوا أرضاً يقال لها ناصرة، قاله قتادة وروي عن ابن عباس أيضاً، واللّه أعلم‏.‏
فلما بعث اللّه محمداً صلى اللَه عليه وسلم خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً وسمِّيت أُمّة محمدا صلى اللَه عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية‏.‏

وأما الصابئون فقد اختلف فيهمفقال مجاهد‏:‏ الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين، وقال أبو العالية والضحّاك‏:‏ الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور، ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق‏:‏ لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم، وقال أبو جعفر الرازي‏:‏ بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ويقرأون الزبور ويصلُّون للقبلة، وسئل وهب بن منبه عن الصابئين فقال‏:‏ الذي يعرف اللّه وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يُحْدث كفراً، وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏ وليس لهم عمل ولا كتابٌ ولا نبيٌّ إلا قول‏:‏ لا إله إلا اللّه، قال‏:‏ ولم يمنوا برسول فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى اللَه عليه وسلم وأصحابه‏:‏ هؤلاء الصابئون يشبِّهونهم بهم يعني في قول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا اللّه‏(‏ وقال الخليل‏:‏ هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، قال القرطبي‏:‏ والذي تحصَّل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة، ولهذا أفتى أبو سعيد الأصطخري بكفرهم للقادر باللّه حين سأله عنهم واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن اللّه جعلها قبلة للعباد والدعاء أو بمعنى أن اللّه فوّض تدبير أمر هذا العالم إليها‏.‏ وأظهرُ الأقوال - واللّه أعلم - قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه‏:‏ أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه، ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصابىء، أي أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الارض إذ ذاك، وقال بعض العلماء‏:‏ الصابئون الذي لم تبلغهم دعوة نبي، واللّه أعلم‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2014, 03:32 AM   رقم المشاركة : 17
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏63 ‏:‏ 64‏)‏
{‏وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ‏.‏ ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ‏}

يقول تعالى مذكِّراً بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق، بالإيمان وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم، ليقروا بما عوهدوا عليه يأخذوه بقوة وحزم وامتثال كما قال تعالى‏:‏ ‏
{‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون‏}‏ فالطور هو الجبل كما فسَّره به في الأعراف، وقال السدي‏:‏ فلما أبوا أن يسجدوا أمر اللّه الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجداً فسجدوا على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم اللّه فكشفه عنهم فقالوا‏:‏ واللّه ما سجدة أحب إلى اللّه من سجدة كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك، وذلك قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ورفعنا فوقكم الطُّور‏}‏، ‏{‏خذوا ما آتيناكم بقوة‏}‏، يعني التوراة، قال أبو العالية‏:‏ بقوة أي بطاعة، وقال مجاهد‏:‏ بقوة بعملٍ بما فيه، وقال قتادة‏:‏ القوة‏:‏ الجد وإلا قذفته عليكم، قال‏:‏ فأقروا أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة، ومعنى قوله وإلا قذفته عليكم أي أسقطته عليكم، يعني الجبل، ‏{‏واذكروا ما فيه‏} يقول‏:‏ اقرأوا ما في التوراة واعملوا به‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ {‏ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل اللّه‏}‏ يقول تعالى ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم، توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ‏{‏فلولا فضل الله عليكم ورحمته‏} أي بتوبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ‏{‏لكنتم من الخاسرين‏}
بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
الآية رقم ‏(‏65 ‏:‏ 66‏)‏
{‏ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ‏.‏ فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد علمتم‏}‏ يا معشر اليهود ما أحل من البأس بأهل القرية، التي عصت أمر اللّه وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذا كان مشروعاً لهم فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل فلم تخلص منها يومها ذلك فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك مسخهم اللّه إلى صورة القردة وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم‏.‏
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى‏:‏
‏{‏واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذا يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون‏} القصة بكمالها وقال السدي‏:‏ أهل هذه القرية هم أهل أيلة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقلنا لهم كونوا ققردة خاسئين‏}‏ قال مجاهد‏:‏ مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مَثَلٌ ضربه اللّه ‏{‏كمثل الحمار يحمل أسفاراً‏} وهذا سند جيّد عن مجاهد، وقولٌ غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام، وفي غيره قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏قل هل أنبئكم بشرٍّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت‏}‏الآية، وقال ابن عباس{‏فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين‏}‏‏:‏ فجعل اللّه منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة وأن الشيخة صاروا خنازير‏.‏ وقال شيبان عن قتادة{‏فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين‏}‏ فصار القوم قردة تعاوى، لها أذناب بعدما كانوا رجالاً ونساء، وقال عطاء الخُراساني‏:‏ نودوا يا أهل القرية ‏{‏كونوا قردة خاسئين‏}
فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون يا فُلان، يا فلان ألم ننهكم‏؟‏ فيقولون برؤوسهم أي بلى، وقال الضحّاك عن ابن عباس‏:‏ فمسخهم اللّه قردة بمعصيتهم، يقول‏:‏ إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال‏:‏ ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل، وقد خلق اللّه القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها اللّه في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة وكذلك يفعل بمن يشاء، ويحوله كما يشاء ‏{‏خاسئين‏}‏ يعني أذلة صاغرين‏.‏
وقال السُّدي في قوله تعالى‏:‏ ‏
{‏ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين‏}‏ قال‏:‏ هم أهل أيلة؛ وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحِيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرّم اللّه على اليهود أن يعملوا في السبت شيئاً، لم يبق في البحر حوت إلا خرج حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لَزِمْنَ سُفْلَ البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون السبت فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم‏} فاشتهى بعضهم السمك فجعل الرجُل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهراً إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فاقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر فيمكث فيها، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه فجعل الرجُل يشوي السمك فيجد جاره روائحه فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم‏:‏ ويحكم إنما تصطادون يوم السبت وهو لا يحلّ لكم، فقالوا‏:‏ إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء‏:‏ لا، ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل، قال‏:‏ وغلبوا أن ينتهوا، فقال بعض الذين نهوهم لبعض‏:‏ ‏{‏لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا‏} يقول‏:‏ لم تعظوهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم، فقال بعضهم‏:‏{‏معذرة إلى ربكم ولعلهم يتَّقون‏}‏، فلما أبَوْ قال المسلمون واللّه لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار ففتح المسلمون باباً والمعتدون في السبت باباً ولعنهم داود عليه السلام، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكُفّار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفّار بابهم، فلما أبطأوا عليهم تسوَّر المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض، فذلك قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فلما عتوا عمّا نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاشئين‏}‏، وذلك حين يقول‏:‏‏{‏لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم‏}‏
الآية فهم القردة، قلت والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الآئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه اللّه من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريا، بل الصحيح أنه معنوي صوري واللّه تعالى أعلم‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجعلناها نكالاً‏}‏ قال بعضهم‏:‏ الضمير في فجعلناهاعائد إلى القردة، وقيل على الحيتان ، وقيل على العقوبة، وقيل على القرية حكاها ابن جرير‏.‏ والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل اللّه هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم نكالا أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة كما قال اللّه عن فرعون‏:‏ ‏
{‏فأخذه الله نكال الآخرة والأولى‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لما بين يديها وما خلفها‏} أي من القرى، قال ابن عباس‏:‏ يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرةً لما حولها من القرى كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون‏}‏، فالمراد لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال عكرمة عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏لما بين يديها‏"‏من القرى ‏"‏وما خلفها‏"‏من القرى، وقال أبو العالية‏:‏ ‏"‏وما خلفها‏"‏لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون المراد{‏لما بين يديها وما خلفها‏}‏ في الزمان، وهذا مستقيم بالنسبة إلى ما يأتي بعدهم من الناس أن تكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس، فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم‏؟‏ فتعيَّن أن المراد في المكان وهو ما حولها من القرى كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير واللّه أعلم‏.‏
وقال أبو جعفر الرازي عن أبي العالية‏:‏ ‏{‏فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها‏} أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم، وقال ابن أبي حاتم‏:‏ وروي عن عكرمة ومجاهد‏:‏ ‏{‏لما بين يديها‏}‏ من ذنوب القوم ‏{‏وما خلفها‏}‏ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى الرازي ثلاثة أقوال أحدها‏:‏ أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها‏.‏ والثاني‏:‏ المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم‏.‏ والثالث‏:‏ أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده وهو قول الحسن‏.‏ ‏"‏قلت‏"‏وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها من بحضرتها من القرى يبلغهم خبرها وما حل بها كما قال تعالى‏:‏ {‏ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏{‏ولا يزال الذي كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ {‏أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها‏}‏ فجعلهم عبرة ونكالاً لمن في زمانهم وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وموعظة للمتقين‏}‏ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة، قال الحسن‏:‏ فيتقون نقمة اللّه ويحذرونها، وقال السُّدي‏:‏ ‏{‏وموعظة للمتقين‏}‏ أمّة محمد صلى اللَه عليه وسلم قلت المراد بالموعظة ههنا الزاجر، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم اللّه وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم كما روي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم اللّه بأدنى الحيل‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أوب عبد اللّه بن بطة وفي سنده ‏"‏أحمد بن محمد بن مسلم‏"‏وثقه الحافظ البغدادي وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح‏"‏وهذا إسناد جيّد واللّه أعلم‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2014, 03:56 AM   رقم المشاركة : 18
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رقم الآية ‏(‏67‏)‏
وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ‏}‏
يقول تعالى‏:‏ واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء اللّه المقتول ونصه على من قتله منهم‏.‏
ذكر بسط القصة
عن عبيدة السلماني، قال‏:‏ كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنُّهى‏:‏ علام يقتل بعضكم بعضاً وهذا رسول اللّه فيكم‏؟‏ فأتوا موسى عليه السلام فذكروا ذلك له، فقال‏:‏
{‏إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏}
قال‏:‏ فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شدَّدوا فشدَّد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال‏:‏ واللّه لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا‏:‏ من قتلك‏؟‏ ‏"‏فقال‏؟‏‏؟‏‏]‏ هذا - لابن أخيه - ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً فلم يورث قاتل بعد ‏"‏رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيدة السلماني‏"‏
وقوله تعالى‏:
{‏إنها بقرة لا فارض‏}‏ يعني لا هرمه، ‏{‏ولا بكر‏}‏ يعني ولا صغيرة، ‏{‏عوان بين ذلك‏} أي نَصَفٌ بين البكر والهرمة‏.‏ ‏{‏قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها‏؟‏ قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها‏} أي صاف لونها، تسر الناظرين أي تعجب الناظرين، ‏{‏قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي‏؟‏ إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول‏} أي لم يذللها العمل،{‏تثير الأرض ولا تسقي الحرث‏} يعني وليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث يعني ولا تعمل في الحرث ‏{‏مسلَّمة‏}‏ يعني مسلَّمة من العيوب{‏لا شية فيها‏} يقول لا بياض فيها{‏قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون‏}ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد اللّه عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا‏:{‏وإنا إن شاء الله لمهتدون‏}
لما هُدوا إليها أبداً‏.‏
وقال السُّدي
{‏وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة‏} قال‏:‏ كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال فكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج فخطب إليه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال واللّه لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته ولآكلن ديّته، فأتاه الفتى - وقد قدم تجار ف‏؟‏‏؟‏ بعض أسباط بني إسرائيل - فقال‏:‏ يا عم انطلِق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلّي أن أصيب منها فإنهم إذا رأوك معي أعطوني، فخرج العم مع الفتى ليلاً، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمّه كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه فأخذهم، وقال‏:‏ قتلتم عمي فأدّوا إليَّ ديَته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي‏:‏ واعمّاه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية‏.‏ فقالوا له‏:‏ يا رسول اللّه ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه فيؤخذ صاحب القضية، فواللّه إن ديته علينا لهيِّنة، ولكن نستحيي أن نعيَّر به فذلك حين يقول تعالى‏:‏{‏وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون‏}، فقال لهم موسى‏:‏ ‏{‏إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة‏}‏، قالوا‏:‏ نسألك عن القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة أتهزأ بنا‏؟‏ {‏قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏}
قال ابن عباس‏:‏ فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنْ شدَّدوا وتعنَّتوا على موسى فشدَّد الله عليهم‏.‏ والفارض الهرمة التي لا تولد، والبكر التي لم تلد إلى ولداً واحداً، والعَوَان النْصَفُ التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها{‏فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها‏} قال نقي لونها ‏{‏تسرّ الناظرين‏}‏ قال تعجب الناظرين‏{‏قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير في الارض ولا تسقي الحرث مسلَّمة لا شية فيها‏}‏ من بياض ولا سواد ولا حمرة{‏قالوا الآن جئت بالحق‏} فطلبوها - من صاحبها - وأعطوا وزنها ذهباً فأبى فأضعفوه له حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهباً فباعهم إيّاها وأخذ ثمنها فذبحوها، قال‏:‏ اضربوه ببعضها فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش فسألوه من قتلك فقال لهم ابن أخي قال‏:‏ أقتله فآخذ ماله وأنكح ابنته، فأخذوا الغلام فقتلوه ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ وهذه الروايات عن ‏"‏عبيدة‏"‏و ‏"‏السدي‏"‏مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدَّق ولا تكذَّب‏"‏
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رقم الآية ‏(‏68 ‏:‏ 71‏)‏
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ‏.‏ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ‏.‏ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ‏.‏ قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون
‏}‏
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق اللّه عليهم ولو أنهم ذبحوا أيَّ بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم ولكنهم شدَّدوا فشدَّد عليهم فقالوا {‏ادع لنا ربك يبين لنا ما هي‏} أي ما هذه البقرة‏؟‏ وأي شي صفتها‏؟‏ قال ابن جرير عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها ولكنهم شدَّدوا فشدَّد عليهم‏"‏قال‏:‏{‏إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر‏}أي لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل‏.‏ وقال الضحّاك عن ابن عباس‏:{‏عوان بين ذلك‏} يقول نَصَفٌ بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏فاقع لونها‏}‏ صافية اللون‏.‏ وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فاقع لونها‏}‏ شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض، وقال السدي‏:‏ ‏{‏تسر الناظرين‏}‏ أي تعجب الناظرين‏.‏ وقوله تعالى‏:{‏إن البقر تشابه علينا‏}أي لكثرتها فميز لنا هذه البقرة وصفها وحلها لنا {‏وإنا إن شاء الله‏} إذا بينتها لنا‏{‏لمهتدون‏}‏ إليها عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لولا أن بني إسرائيل قالوا{‏وإنا إن شاء الله لمهتدون‏} لما أعطوا ولكن استثنوا‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الحافظ ابن مردويه بنحوه‏"‏‏{‏قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث‏} أي إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في السانية، بل هي مكرمة حسنة صبيحة مسلَّمة صحيحة لا عيب فيها ‏{‏لا شية فيها‏}‏ أي ليس فيها لون غير لونها وقال قتادة ‏{‏مسلَّمة‏}‏ يقول‏:‏ لا عيب فيها ‏{‏لا شية فيها‏} لونها واحد بهيم قاله عطاء ‏{‏قالوا الآن جئت بالحق‏} قال قتادة‏:‏ الآن بينت لنا، {‏فذبحوها وما كادوا يفعلون‏}
قال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ كادوا أن لا يفعلوا - ولم يكن ذلك الذي أرادوا - لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والإضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت فلهذا ما كادوا يذبحونها‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن اطلع اللّه على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها وللفضيحة‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رقم الآية ‏(‏72 ‏:‏ 73‏)‏
وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ‏.‏ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ‏}‏
قال البخاري‏:‏ ‏{‏فادارأتم فيها‏}‏ اختلفتم وهكذا قال مجاهد، ‏{‏والله مخرج ما كنتم تكتمون‏} قال مجاهد‏:‏ ما تغيبون‏.‏ عن المسيب بن رافع‏:‏ ‏(‏ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها اللّه وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها اللّه‏)‏ وتصديق ذلك في كلام اللّه‏:‏ {‏واللّه مخرج ما كنتم تكتمون‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن المسيب بن رافع‏"‏‏
{‏فقلنا اضربوه ببعضها‏}
هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبيَّنه اللّه تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه اللّه‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك يحيي اللّه الموتى‏} أي فضربوه فحييَ، ونبّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، جعل تبارك وتعالى ذلك الصنيع حجة لهم على المعاد، وفاصلاً ما كان بينهم من الخصومة والعناد، واللّه تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع‏:‏
{‏ثم بعثناكم من بعد موتكم‏}‏ وهذ القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة، ونبّه تعالى بإحياء الارض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميماً، كما قال أبو رزين العقيلي رضي اللّه عنه، قال‏:‏ قلت يا رسول اللّه‏:‏ كيف يحيي اللّه الموتى‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أما مررت بواد ممحل ثم مررت به خضراً‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏كذلك النشور‏)‏ أو قال‏:‏ ‏(‏كذلك يحيي اللّه الموتى‏) ‏"‏رواه الطيالسي عن أبي رزين العقيلي رضي اللّه عنه‏"‏وشاهد هذا قوله تعالى {‏وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون‏}‏‏.‏
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رقم الآية ‏(‏74‏)‏
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون
‏}‏
يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات اللّه تعالى وإحيائه الموتى‏:‏ ‏{‏ثم قست قلوبكم من بعد ذلك‏} كله فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، ولهذا نهى اللّه المؤمنين عن مثل حالهم، فقال‏:‏{‏ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون‏} فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشدَّ قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقَّق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جارياً، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية اللّه وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال تعالى‏:‏{‏وإن من شيء إلا يسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا‏}
والمعنى‏:‏ وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تُدْعون إليه من الحق‏.‏
وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله‏:
{‏يريد أن ينقض‏} قال الرازي والقرطبي‏:‏ ولا حاجة إلى هذا، فإن اللّه تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى‏:‏ {‏فابين أن يحملنها وأشفقن منها‏}وقال‏:‏ ‏{‏تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن‏}‏ الآية، وقال‏:‏ ‏{‏والنجم والشجر يسجدان‏}‏، وقال‏:‏ {‏قالتا أتينا طائعين‏} وفي الصحيح‏:‏ ‏(‏هذا جبل يحبنا ونحبه‏)‏، وكحنين الجذع المتواتر خبره،وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن‏(‏، وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة وغير ذلك مما في معناه‏.‏
تنبيه اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى‏:‏
{‏فهي كالحجارة أو أشد قسوة‏} بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم أوههنا بمعنى الواو تقديره‏:‏ فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً‏} وقوله‏:‏ ‏{‏عذراً أو نذراً‏}
وكما قال جرير بن عطية‏:‏
نال الخلافة أو كانت له قدراً * كما أتى ربَّه موسى على قَدَرَ
قال ابن جرير‏:‏ يعني نال الخلافة وكانت له قدراً، وقال آخرون‏:‏ أوههنا بمعنى بل فتقديره‏:‏ فهي كالحجارة بل أشد قسوة، وكقوله‏:{‏إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية‏}‏ ‏{‏وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏ ‏{‏فكان قاب قوسين أو أدنى‏}‏، وقال آخرون‏:‏ معنى ذلك‏:{‏فهي كالحجارة أو أشد قسوة‏} عندكم حكاه ابن جرير‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين‏:‏ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة، قال ابن جرير ومعنى ذلك على هذا التأويل فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة، وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره، قلت وهذا القول الأخير يبقى شبيهاً بقوله تعالى‏:‏{‏مثلهم كمثل الذي استوقد نارا‏}مع قوله‏:‏{‏أو كصيب من السماء‏}‏، وكقوله‏:‏ {‏والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة‏}‏، مع قوله{‏أو كظلمات في بحر لجِّي‏}الآية أي‏:‏ إن منهم من هو هكذا ومنهم من هو هكذا، واللّه أعلم‏.عن ابن عمر‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه، فإن كثرة الكلام بغير ذكر اللّه قسوة القلب، وإنَّ أبعد الناس من اللّه القلب القاسي‏)‏"‏رواه ابن مردويه والترمذي في كتاب الزهد، وقال الترمذي‏:‏ غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم‏"‏وروي مرفوعاً‏:‏ ‏(‏أربع من الشقاء‏:‏ جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل والحرص على الدنيا‏)‏ ‏"‏رواه البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً‏"‏‏.‏
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة







التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2014, 04:09 AM   رقم المشاركة : 19
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏75 ‏:‏ 77‏)‏
أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ‏.‏ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ‏.‏ أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فتطمعون‏}‏ يا أيها المؤمنون
{‏أن يؤمنوا لكم‏} أي ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك {‏وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه‏} أي يتأولونه على غير تأويله {‏من بعد ما عقلوه‏} أي فهموه على الجليّة، ومع هذا يخالفونه على بصيرة ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله‏.‏ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسة يحرفون الكفم عن مواضعه‏}‏ وليس كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها، قال السدي‏:‏ هي التوراة حرّفوها‏.‏ وقال قتادة في قوله‏:‏ {‏ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون‏} هم اليهود كانوا يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه، وقال أبو العالية‏:‏ عمدوا إلى ما أنزل اللّه في كتابهم من نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، وقال السدي‏:‏ ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ أي أنهم أذنبوا، وقال ابن وهب في قوله ‏{‏يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه‏}
‏ قال‏:‏ التوراة التي أنزلها اللّه عليهم، يحرفونها يجعلون الحلال فيها حراماً، والحرام فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً والباطل فيها حقاً‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ {‏وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا‏}‏، قال ابن عباس {‏وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا‏} أي قالوا‏:‏ إنَّ صاحبكم رسول اللّه ولكنه إليكم خاصة‏.‏ ‏{‏وإذا خلا بعضهم إلى بعض‏}‏ قالوا‏:‏ لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم،{‏وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجوكم به عند ربكم‏}‏ أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به‏.‏ يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أولا يعلمون أن اللّه يعلم ما يسرون وما يعلنون‏}‏‏؟‏
وقال الضحاك‏:‏ يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم قالوا آمنا، وقال السدي‏:‏ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا‏.‏ وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر اللّه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون‏:‏ أليس قد قال اللّه لكم كذا وكذا، فيقولون‏:‏ بلى‏.‏
قال أبو العالية {‏أتحدثونهم بما فتح الله عليكم‏} يعني بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال قتادة‏:‏ {‏أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجوكم به عند ربكم‏} كانوا يقولون سيكون نبيّ فخلا بعضهم ببعض فقالوا‏:‏ ‏{‏أتحدثونهم بما فتح الله عليكم‏} وعن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم‏}قال‏:‏ قام النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال‏:‏ يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت فقالوا من أخبر بهذا الأمر محمداً‏؟‏ ما خرج هذا القول إلا منكم ‏{‏أتحدثونهم بما فتح الله عليكم‏}‏ بما حكم اللّه للفتح ليكون لهم حجة عليكم‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم‏:‏ لا تحدِّثوا أصحاب محمد بما فتح اللّه عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولا يعلمون أن اللّه يعلم ما يسرو وما يعلنون‏}‏يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوباً عندهم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ‏{‏إن اللّه يعلم ما يسرون‏} كان ما اسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم بما فتح اللّه عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجّهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم ‏{‏وما يعلنون‏}‏ يعني حين قالوا لأصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم آمنا‏.‏
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏78 ‏:‏ 79‏)‏
ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ‏.‏ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ‏}‏
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم أميون‏}‏ أي ومن أهل الكتاب، والأميون جمع أمي وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة، وهو ظاهر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يعلمون الكتاب‏}‏ أي لا يدرون ما فيه، ولهذا في صفات النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أنه الأمي لأنه لم يكن يحسن الكتابة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون‏}‏، وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا‏)‏ الحديث‏.‏ وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا أماني‏}‏ عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏إلا أماني‏}‏ يقول إلا قولاً يقولونه بأفواههم كذباً، وقال مجاهد إلا كذباً، وعن مجاهد‏:‏ ‏{‏ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني‏}‏ قال‏:‏ أناس من اليهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب اللّه ويقولون هو من الكتاب أماني يتمنونها، والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه، ومنه الخبر المروي عن عثمان رضي اللّه عنه ‏(‏ما تغنيت ولا تمنيت‏)‏ يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب، وقيل‏:‏ المراد بقوله ‏{‏إلا أماني‏}‏ بالتشديد والتخفيف أيضاً أي إلا تلاوة‏.‏ واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏}
الآية، وقال كعب بن مالك الشاعر‏:‏
تمنَّى كتاب اللّه أول ليله * وآخره لاقى حِمَام المقادر
‏{‏وإن هم إلا يظنون‏}‏ يكذبون، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمناً قليلاً‏}‏ الآية‏.‏ هؤلاء صنف آخر من اليهود وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على اللّه، وأكل أموال الناس بالباطل، والويلُ‏:‏ الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة‏.‏ وعن ابن عباس الويل‏:‏ المشقة من العذاب، وقال الخليل الويلُ‏:‏ شدة الشر، وقال سيبويه‏:‏ ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي‏:‏ الويل تفجع، والويح ترحم، وقال غيره‏:‏ الويل الحزن‏.‏ وعن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما‏:‏ ‏{‏فويل للذي يكتبون الكتاب بأيديهم‏}‏ قال‏:‏ هم أحبار اليهود، وقال السُّدي‏:‏ كان ناس من اليهود كتبوا كتاباً من عندهم يبيعونه من العرب ويحدثونهم أنه من عند اللّه ليأخذوا به ثمناً قليلاً، وقال الزهري عن ابن عباس‏:‏ ‏(‏يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابُ اللّه الذي أنزله على نبيّه أحدث أخبار اللّه تقرأونه غضاً لم يشب، وقد حدَّثكم اللّه تعالى أن أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب اللّه وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمناً قليلاَ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا واللّه ما رأينا منهم أحداً قط سألكم عن الذي أنزل عليكم‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون‏}‏ أي فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والإفتراء، وويلٌ لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ‏{‏فويل لهم‏}‏ يقول‏:‏ فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ‏{‏وويل لهم مما يكسبون‏}
يقول‏:‏ مما يأكلون به أولئك الناس السفلة وغيرهم‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏80‏)
وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون
‏}‏
يقول تعالى إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسّهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها، فردَّ اللّه عليهم ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أتخذتم عند اللّه عهداً‏}‏ أي بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بأم التي بمعنى بل أي بل تقولون على اللّه ما لا تعلمون من الكذب والإفتراء عليه‏.‏ قال مجاهد عن ابن عباس‏:‏ إن اليهود كانوا يقولون‏:‏ إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذّب بكل ألف سنةٍ يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏خالدون‏}‏ وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ قالوا لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة وهي مدة عبادتهم العجل، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة‏}‏ يعني الأيام التي عبدنا فيها العجل، وقال عكرمة‏:‏ خاصمت اليهود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا‏:‏ لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون، يعنون محمداً صلى اللّه عليه وسلم واصحابه، فقال‏:‏ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده على رؤوسهم‏:‏ ‏"‏بل أنتم خالدون ومخلدون لا يخلفكم فيها أحد‏"‏، فأنزل اللّه عز وجلّ‏:‏ ‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة‏}‏ الآية‏.‏ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ لما فتحت خيبر أهديت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاة فيها سمُّ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏اجمعو لي من كان من اليهود هنا‏"‏فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من أبوكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ فُلان، قال‏:‏ ‏(‏كذبتم بل أبوكم فلان‏)‏ فقالوا‏:‏ صدقت وبررت، ثم قال لهم‏:‏ ‏(‏هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من أهل النار‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ اخسئوا واللّه لا نخلفكم فيها أبداً‏)‏ ثم قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه‏؟‏‏)‏، قالوا‏:‏ نعم يا أبا القاسم، قال‏:‏ ‏(‏هل جعلتم في هذه الشاة سماً‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏فما حملكم على ذلك‏؟‏‏)‏، فقالوا‏:‏ أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك
‏"‏رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وابن مردويه واللفظ له عن أبي هريرة رضي اللّه عنه‏"‏‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏81 ‏:‏82‏)‏
بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‏.‏ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون
‏}‏
يقول تعالى‏:‏ ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من عمل سيئة ‏{‏وأحاطت به خطيئته‏}‏ وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهذا من أهل النار‏.‏ ‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ أي آمنوا باللّه ورسوله، وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة، وهذا المقام شبيهٌ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعملْ سوءاً يُجز به ولا يجدْ له من دون اللّه ولياً ولا نصيرا * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏بلى من كسب سيئة‏}‏ أي عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره فما له من حسنة، وفي رواية عن ابن عباس قال‏:‏ الشركُ‏.‏ وقال الحسن‏:‏ السيئة الكبيرة من الكبائر، وقال عطاء والحسن‏:‏ ‏{‏وأحااطت به خطيئته‏}‏ أحاط به شركه، وقال الأعمش‏:‏ ‏{‏وأحاطت به خطيئته‏}‏ الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب‏.‏ وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إيَّاكم ومحقراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجُل حتى يهلكنه‏(‏ وإن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ضرب لهم مثلاً كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً وأجَّجوا ناراً فأنضجوا ما قذفوا فيها ‏"‏رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه مرفوعاً‏"‏وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيه خالدون‏}‏ أي من آمن بما كفرتم وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له‏.‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
قديم 27-04-2014, 04:23 AM   رقم المشاركة : 20
قلب الزهـــور
( مشرفة الاستراحه والقصص والروايات)
 
الصورة الرمزية قلب الزهـــور

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏83‏)‏
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ‏}‏
يذكّر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله وأعرضوا قصداً وعمداً، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وبهذا أمر جميع خلقه ولذلك خلقهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت‏}‏، وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق اللّه تبارك وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له ثم بعده حق المخلوقين وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير‏}‏ وقال تبارك وتعالى‏:{‏وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً‏}إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل‏}‏ وفي الصحيحين عن ابن مسعود قلت‏:‏ يا رسول اللّه أيُّ العمل أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الصلاة على وقتها‏)‏ قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال ‏(‏بر الوالدين‏)‏ قلت‏:‏ ثم أيُّ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الجهاد في سبيل اللّه‏)‏‏.‏ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول اللّه مَن أبر‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أمك‏)‏ قال‏:‏ ثم مَن‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أمك‏)‏، قال ثم من‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أباك‏؟‏ ثم أدناك ثم أدناك‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تعبدون إلا اللّه‏} قال الزمخشري‏:‏ خبر بمعنى الطلب وهو آكد‏.‏ وقيل‏:‏ كان أصله{‏أن لا تعبدوا إلا اللّه‏}‏فحذفت أن فارتفع ‏{‏واليتامى‏}‏ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء، و‏{‏المساكين‏}‏ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقولوا للناس حسناً‏}
أي كلموهم طيباً ولينوا لهم جانباً، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسناً كما قال اللّه، وهو كل خلق حسن رضيه اللّه‏.‏
كما روي عن أبي ذر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تحقرَّن من المعروف شيئاً وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق "‏أخرجه أحمد عن أبي ذر رضي اللّه عنه ورواه مسلم والترمذي‏"‏‏)‏ يأمرهم بأن يقولوا للناس حسناً، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي و القولي ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين من ذلك وهو الصلاة والزكاة، فقال‏:‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏}‏ وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي تركوه وراء ظهورهم وأعرضوا عنه على عمد، بعد العلم به إلا القليل منهم، وقد أمر اللّه هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله‏: ‏{‏واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين‏}الآية‏.‏

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏84 ‏:‏ 86‏)‏
وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ‏.‏ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ‏.‏ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ‏}‏
يقول تبارك وتعالى منكراً على اليهود، الذين كانوا في زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا في الجاهلية عبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل بنو قينقاع و بنو النضير حلفاء الخزرج و بنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتبهون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها افتكُّوا الأسارى من الفريق المغلوب عملاً بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى‏:‏{‏أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض‏؟‏‏}‏
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم‏}‏ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر‏)‏،
وقوله تعالى‏:‏
‏{‏ثم أقررتم وأنتم تشهدون‏}أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به، ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم‏}‏ الآية‏.‏ عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم‏}
قال‏:‏ أنبأهم اللّه بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى تسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا ناراً ولا بعثاً ولا قيامة، ولا كتاباً ولا حلالاً ولا حراماً، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة وأخذاً به بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم،
يقول اللّه تعالى ذكره‏:‏
‏{‏أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض‏}أي تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك باللّه ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا‏؟‏ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة‏.‏ وقال السدي‏:‏ نزلت هذه الآية في قيس بن الحطيم ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم‏}‏ والذي أرشدت إليه الآية الكريمة وهذا السياق ذمَّ اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ونعته ومبعثه ومخرجه ومهاجره وغير ذلك من شؤونه، التي أخبرت بها الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، واليهود - عليهم لعائن اللّه - يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى‏:‏{‏فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌّ في الحياة الدنيا‏} أي بسبب مخالفتهم شرع اللّه وأمره ‏{‏ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب‏}‏ جزاء على مخالفتهم كتاب اللّه الذي بأيديهم {‏وما اللّه بغافل عما تعملون * أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة‏}أي استحبوها على الآخرة واختاروها ‏{‏فلا يخفف عنهم العذاب‏}‏ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة ‏{‏ولا هم ينصرون‏} أي وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم عليه

اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة
رقم الآية ‏(‏87‏)‏
ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ‏}‏
ينعت تبارك وتعالى بني إسرائيل بالعتو والعناد، والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة فحرَّفوها وبدَّلوها، وخالفوا أوامرها أولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى‏:‏ {‏إنا أنزلنا التوراة فيه هدى ونور يحكم بها النبيّون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء‏} الآية، ولهذا قال تعالى‏:‏{‏قفينا من بعده بالرسل‏}‏ قال السدي‏:‏ أتبعنا وقال غيره‏:‏ أردفنا، والكل قريب كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أرسلنا رسلنا تترى‏}‏ حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى بن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ولهذا أعطاه اللّه من البينات وهي المعجزات، قال ابن عباس‏:‏ من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن اللّه، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس - وهو جبريل عليه السلام - ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض كما قال تعالى إخباراً عن عيسى‏:‏ ‏{‏ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم‏}‏ الآية فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء أسوأ المعاملة ففريقاً يكذبونه، وفريقاً يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، وبالإلزام بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان ذلك يشق عليهم فكذبوهم وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون‏}
‏‏؟‏
والدليل على أن روح القدس هو جبريل كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية ما قال البخاري‏:
‏ عن أبي هريرة عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد فكان ينافح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏اللهم أيد حسّان بروح القدس كما نافح عن نبيك‏)‏ وفي بعض الروايات أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لحسّان‏:‏ ‏(‏أهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك‏)
وفي شعر حسّان قوله‏:‏
وجبريل رسول اللّه فينا * وروح القدس ليس به خفاء
وعن ابن مسعود‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏)‏إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب
"‏رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود‏"‏‏)‏ وحكى القرطبي عن مجاهد القدُس‏:‏ هو اللّه تعالى، وروحه جبريل وقال السدي‏:‏ القدس البركة، وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ القدس الطهر‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏بروح القدس‏}‏ بالروح المقدسة، كما تقول‏:‏ حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال ‏{‏وروح منه‏}‏ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل‏:‏ لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل‏:‏ بجبريل، وقيل‏:‏ بالإنجيل كما قال في القرآن ‏{‏روحاً من أمرنا‏}‏ وقيل‏:‏ باسم اللّه الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره‏.‏ وقال أيضاً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ففريقا كذبتم وفريقاً تقتلون‏}‏ إنما لم يقل وفريقاً قتلتم لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً لأنهم حاولوا قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم بالسم والسحر، وقد قال عليه السلام في مرض موته‏:‏ ‏(‏ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان انقطاع أبهري‏)‏"‏الحديث في صحيح البخاري وغيره‏"‏






التوقيع :
اضغط على الصورة لفتحها بصفحة مستقلة

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
   


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:39 PM.




 


    مجمموعة ترايدنت العربية